فصل: تفسير الآيات رقم (16- 20)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 65‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ‏(‏53‏)‏ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏54‏)‏ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ‏(‏55‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏56‏)‏ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏57‏)‏ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ‏(‏58‏)‏ إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏59‏)‏ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ‏(‏60‏)‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏61‏)‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏62‏)‏ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏63‏)‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏64‏)‏ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى‏}‏ يعني‏:‏ التوراة فيها هدى، ونور من الضلالة، ‏{‏وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ أعطيناهم على لسان الرسل التوراة، والإنجيل، والزبور ‏{‏هُدًى‏}‏ أي‏:‏ بياناً من الضلالة‏.‏ ويقال‏:‏ فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وذكرى لاِوْلِى الالباب‏}‏ يعني‏:‏ عظة لذوي العقول‏.‏

‏{‏فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏ يعني‏:‏ اصبر يا محمد على أذى المشركين‏.‏ فإن وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة‏.‏ ‏{‏واستغفر لِذَنبِكَ‏}‏‏.‏ وهذا قبل نزول قوله‏:‏ ‏{‏لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَسْتَغْفِرُ لِذَنبِكِ‏}‏ أي‏:‏ لذنب أمتك ‏{‏وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ‏}‏ أي‏:‏ صل بأمر ربك ‏{‏بالعشى‏}‏ أي‏:‏ صلاة العصر، ‏{‏والإبكار‏}‏ يعني‏:‏ صلاة الغداة‏.‏ ويقال‏:‏ سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره‏.‏

‏{‏إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله‏}‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ يعني‏:‏ اليهود، والنصارى، كانوا يجادلون في الدجال‏.‏ وذلك أنهم كانوا يقولون‏:‏ إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان، فيخوض البحر، وتجري معه الأنهار، ويرد علينا الملك‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله‏}‏ يعني‏:‏ في الدجال‏.‏ لأن الدجال آية من آيات الله، ‏{‏بِغَيْرِ سلطان‏}‏ أي‏:‏ بغير حجة ‏{‏ءاتاهم‏}‏ من الله‏.‏ ‏{‏إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه‏}‏ أي‏:‏ ما في قلوبهم إلا عظمة ‏{‏مَّا هُم ببالغيه‏}‏ يعني‏:‏ ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في قلوبهم، بأن الدجال منهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلاَّ تكبراً على محمد صلى الله عليه وسلم، وطمعاً أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله‏.‏ وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال‏:‏ إن اليهود ذكروا الدجال، وعظموا أمره، فنزل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله‏}‏ يعني‏:‏ إن الدجال من آيات الله ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ من فتنة الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السميع‏}‏ لقول اليهود، ‏{‏البصير‏}‏ يعني‏:‏ العليم بأمر الدجال‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏السميع‏}‏ لدعائك، ‏{‏البصير‏}‏ برد فتنة الدجال عنك‏.‏

‏{‏لَخَلْقُ السماوات والارض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ ‏{‏لَخَلْقُ السموات والارض‏}‏ أعظم من خلق الدجال‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَخَلْقُ السموات والارض‏}‏ أعظم من خلق الناس بعد موتهم‏.‏ يعني‏:‏ أنهم يبعثون يوم القيامة، ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن الدجال خلق من خلق الله‏.‏ ويقال‏:‏ لا يعلمون أن الله يبعثهم، ولا يصدقون‏.‏

‏{‏وَمَا يَسْتَوِى الاعمى والبصير‏}‏ يعني‏:‏ الكافر، والمؤمن في الثواب، ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسئ‏}‏ يعني‏:‏ لا يستوي الصالح، مع الطالح، ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتعظون، ويعتبرون‏.‏

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي‏:‏ ‏{‏تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ بالتاء على وجه المخاطبة‏.‏ والباقون‏:‏ بالياء ‏{‏يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ على معنى الخبر عنهم‏.‏ وفي كلا القراءتين مَا للصلة، والزينة‏.‏

‏{‏إِنَّ الساعة لاَتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ قيام الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين، ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يصدقون الله تعالى‏.‏

‏{‏وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏}‏ قال الكلبي معناه‏:‏ وحدوني، أغفر لكم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ معناه‏:‏ وقال ربكم لأهل الإيمان، ادعوني أستجب لكم، ‏{‏إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى‏}‏ أي‏:‏ عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني‏.‏ ‏{‏سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين‏}‏ أي‏:‏ صاغرين‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى‏}‏ يعني‏:‏ الدعاء بعينه‏:‏ ‏{‏أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أستجب دعاءكم‏.‏ وقال بعض المتأخرين‏:‏ معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة‏.‏ وقيل أيضاً‏:‏ ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء‏.‏ وقيل أيضاً‏:‏ ادعوني بلا خطأ، أستجب لكم مع العطاء‏.‏ وروى النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قرأ‏:‏ ‏{‏وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين‏}‏» قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين، عن أبي عمرو‏:‏ ‏{‏سَيَدْخُلُونَ‏}‏ بضم الياء، ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وتكون جهنم مفعولاً ثانياً‏.‏ والباقون‏:‏ يدخلون بنصب الياء، وضم الخاء، على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون‏.‏

‏{‏الله الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل‏}‏ أي‏:‏ خلق لكم الليل، ‏{‏لِتَسْكُنُواْ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه، ‏{‏والنهار مُبْصِراً‏}‏ أي‏:‏ مضيئاً لابتغاء الرزق، والمعيشة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏مُبْصِراً‏}‏ معناه‏:‏ يبصر فيه، ‏{‏إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس‏}‏ يعني‏:‏ على أهل مكة بتأخير العذاب عنهم‏.‏ ويقال ‏{‏لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس‏}‏ أي‏:‏ على جميع الناس، بخلق الليل والنهار، ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ‏}‏ لربهم في النعمة فيوحدونه، ويطيعونه‏.‏ ‏{‏ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلق هذا هو ربكم، ‏{‏خالق كُلّ شَئ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تصرفون، وتحولون‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ من أين تكذبون، ‏{‏كَذَلِكَ يُؤْفَكُ‏}‏ أي‏:‏ هكذا يكذب‏.‏ ويقال‏:‏ هكذا يحول، ‏{‏الذين كَانُواْ بئايات الله يَجْحَدُونَ‏}‏ ويقال‏:‏ هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم‏.‏

‏{‏الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض قَرَاراً‏}‏ أي بسط لكم الأرض، وجعلها موضع قراركم، ‏{‏والسماء بِنَاء‏}‏ أي‏:‏ خلق السماء فوقكم مرتفعاً، ‏{‏وَصَوَّرَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ خلقكم ‏{‏فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏}‏ ولم يخلقكم على صورة الدَّواب، ‏{‏فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أحكم خلقكم، ‏{‏وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات‏}‏ أي‏:‏ الحلالات‏.‏ يقال‏:‏ اللذيذات، ‏{‏ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، ‏{‏فتبارك الله رَبُّ العالمين‏}‏ أي‏:‏ فتعالى الله رب العالمين‏.‏ ويقال‏:‏ هو من البركة يعني‏:‏ البركة منه‏.‏ ‏{‏هُوَ الحى‏}‏ يعني‏:‏ هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق، ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ يعني‏:‏ بالتوحيد، ‏{‏الحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ قولوا الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 68‏]‏

‏{‏قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏66‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏67‏)‏ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِنّى نُهِيتُ‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد لأهل مكة‏:‏ ‏{‏إِنّى نُهِيتُ‏}‏ ‏{‏أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ يعني‏:‏ نهاني ربي أن أعبد الذين تعبدون من دون الله من الأصنام، ‏{‏لَمَّا جَاءنِى البينات مِن رَّبّى‏}‏ يعني‏:‏ حين جاءني الواضحات، وهو القرآن، ‏{‏وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ أستقيم على التوحيد، ‏{‏هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ‏}‏ وقد ذكرناه من قبل، ‏{‏ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً‏}‏ يعني‏:‏ يعيش الإنسان إلى أن يصير شيخاً، ‏{‏وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ‏}‏ ‏{‏وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ الشباب، والشيخ، يبلغ ‏{‏أَجَلاً مُّسَمًّى‏}‏ وقتاً معلوماً‏.‏ ويقال‏:‏ في الآية تقديم، ومعناه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً‏}‏ أي‏:‏ لتبلغوا ‏{‏أَجَلاً مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ وقت انقضاء أجله ‏{‏وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل أن يبلغ أشده‏.‏ ويقال‏:‏ من قبل أن يصير شيخاً، ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لكي تعقلوا أمر ربكم، ولتستدلوا به، وتتفكروا في خلقه‏.‏

‏{‏هُوَ الذى اَ إله‏}‏ أي‏:‏ يحيي للبعث، ويميت في الدنيا، على معنى التقديم، ويقال‏:‏ معناه هو الذي يحيي في الأرحام، ويميت عند انقضاء الآجال، ‏{‏فَإِذَا قضى أَمْراً‏}‏ يعني‏:‏ أراد أن يخلق شيئاً، ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 76‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ‏(‏69‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏70‏)‏ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ‏(‏71‏)‏ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ‏(‏72‏)‏ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ‏(‏73‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ‏(‏74‏)‏ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ‏(‏75‏)‏ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون فِى ءايات الله‏}‏ أي‏:‏ يجادلون في القرآن، أنه ليس منه، ‏{‏أنى يُصْرَفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ من أين يصرفون عن القرآن، والإيمان من أين تعدلون عنه إلى غيره‏؟‏ ويقال‏:‏ عن الحق، والتوحيد‏.‏

ثم وصفهم فقال‏:‏ ‏{‏الذين كَذَّبُواْ بالكتاب‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن، ‏{‏وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا‏}‏ يعني‏:‏ بالتوحيد‏.‏ ويقال‏:‏ بالأمر، والنهي، ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ماذا ينزل بهم في الآخرة‏.‏

ثم وصف ما ينزل بهم، فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذِ الاغلال فِى أعناقهم‏}‏ يعني‏:‏ ترد أيمانهم إلى أعناقهم ‏{‏والسلاسل يُسْحَبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تجعل السلاسل في أعناقهم، يُسْحَبُونَ، ويجرون، ‏{‏فِى الحميم‏}‏ يعني‏:‏ في ماء حار، قد انتهى حره‏.‏ قال مقاتل ‏{‏يُسْحَبُونَ فِى الحميم‏}‏ يعني‏:‏ في حر النار‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ في الماء الحار‏.‏

‏{‏ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يوقدون، فصاروا وقوداً‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ ‏{‏والسلاسل‏}‏ بنصب اللام، ‏{‏يُسْحَبُونَ‏}‏ بنصب الياء، يعني‏:‏ أنهم يسحبون السلاسل‏.‏ وقال‏:‏ هو أشد عليهم‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏والسلاسل‏}‏ بضم اللام ‏{‏يُسْحَبُونَ‏}‏ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ والمعنى‏:‏ أن الملائكة يسحبونهم في السلاسل‏.‏

‏{‏ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تقول لهم الخزنة‏:‏ ‏{‏أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تعبدون، ‏{‏مِن دُونِ الله‏}‏ من الأوثان، ‏{‏قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا‏}‏ يعني‏:‏ اشتغلوا بأنفسهم عنا، ‏{‏بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً‏}‏ وذلك أنهم يندمون على إقرارهم، وينكرون، ويقولون‏:‏ ‏{‏بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً‏}‏ في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ معناه بل لم نكن نعبد شيئاً ينفعنا‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين‏}‏ عن الحجة، ‏{‏ذلكم‏}‏ أي‏:‏ ذلكم العذاب، ‏{‏بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الارض‏}‏ أي‏:‏ تبطرون، وتتكبرون في الأرض ‏{‏بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ‏}‏ أي‏:‏ تعصون، وتستهزئون بالمسلمين، ‏{‏ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين‏}‏ أي‏:‏ فبئس مقام المتكبرين عن الإيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 85‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ‏(‏77‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏78‏)‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏79‏)‏ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ‏(‏80‏)‏ وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ‏(‏81‏)‏ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏82‏)‏ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏83‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ‏(‏84‏)‏ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏ يعني‏:‏ اصبر يا محمد على أذى الكفار، ‏{‏إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏ أي‏:‏ كائن، ‏{‏فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ‏}‏ من العذاب يعني‏:‏ فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب في الدنيا، وهو القتل، والهزيمة‏.‏ ‏{‏أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ‏}‏ من قبل أن نرينك عذابهم في الدنيا، ‏{‏فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يرجعون إلينا في الآخرة، فنجزيهم بأعمالهم‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ إلى قومهم، ‏{‏مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ‏}‏ يعني‏:‏ سميناهم لك، فأنت تعرفهم، ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ‏}‏ يعني‏:‏ لم نسمهم لك ولم نخبرك بهم يعني‏:‏ أنهم صبروا على أذاهم، فاصبر أنت يا محمد على أذى قومك كما صبروا‏.‏

‏{‏وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ‏}‏ أي‏:‏ ما كان لرسول، من القدرة ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً‏}‏ أي بدلائل، وبراهين، ‏{‏إِلاَّ بِإِذْنِ الله‏}‏ يعني‏:‏ بأمره‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء أَمْرُ الله‏}‏ يعني‏:‏ العذاب، ‏{‏قُضِىَ بالحق‏}‏ أي‏:‏ عذبوا، ولم يظلموا حين عذبوا، ‏{‏وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون‏}‏‏.‏ أي‏:‏ خسر عند ذلك المبطلون‏.‏ يعني‏:‏ المشركون‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ الظالمون‏.‏ ويقال‏:‏ الخاسرون‏.‏

ثم ذكر صنعه ليعتبروا فقال‏:‏ ‏{‏الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الانعام‏}‏ يعني‏:‏ خلق لكم البقر، والغنم، والإبل، ‏{‏لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا‏}‏ أي بعضها وهو الإبل، ‏{‏وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ‏}‏ أي‏:‏ من الأنعام منافع في ظهورها، وشعورها، وشرب ألبانها، ‏{‏وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ‏}‏ أي ما في قلوبكم، من بلد إلى بلد ‏{‏وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ على الأنعام، وعلى السفن، ‏{‏وَيُرِيكُمْ ءاياته‏}‏ يعني‏:‏ دلائله، وعجائبه، ‏{‏وَيُرِيكُمْ ءاياته فَأَىَّ ءايات‏}‏ بأنها ليست من الله، ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ يسافروا في الأرض، ‏{‏فَيَنظُرُواْ‏}‏ أي‏:‏ فيعتبروا، ‏{‏كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ آخر أمر من كان قبلهم، كيف فعلنا بهم حين كذبوا رسلهم، ‏{‏كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أكثر من قومك في العدد، ‏{‏وَأَشَدَّ قُوَّةً‏}‏ من قومك، ‏{‏أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى‏}‏، يعني‏:‏ مصانعهم أعظم آثاراً في الأرض، وأطول أعماراً، وأكثر ملكاً في الأرض، ‏{‏فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لم ينفعهم ما عملوا في الدنيا، حين نزل بهم العذاب‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات‏}‏ بالأمر، والنهي، وبخبر العذاب، ‏{‏فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم‏}‏ يعني‏:‏ من قلة علمهم، رضوا بما عندهم من العلم، ولم ينظروا إلى دلائل الرسل‏.‏ ويقال‏:‏ رضوا بما عندهم‏.‏ فقالوا‏:‏ لن نعذب، ولن نبعث‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم‏}‏ أي‏:‏ علم التجارة، كقوله ‏{‏يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الاخرة هُمْ غافلون‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 7‏]‏‏.‏

‏{‏وَحَاقَ بِهِم‏}‏ أي نزل بهم ‏{‏مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ‏}‏ أي‏:‏ يسخرون به، ويقولون‏:‏ إنه غير نازل بهم‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا‏}‏ أي‏:‏ عذابنا في الدنيا، ‏{‏قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا‏}‏ أي‏:‏ تبرأنا، ‏{‏بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ‏}‏ يعني‏:‏ بما كنا به مشركين من الأوثان، ‏{‏فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم‏}‏ يعني‏:‏ تصديقهم، ‏{‏لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا‏}‏ أي‏:‏ حين رأوا عذابنا‏.‏ قال القتبي‏:‏ البأس الشدة‏.‏ والبأس العذاب كقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَحَسُّواْ‏}‏ بأسنا، ‏{‏سُنَّتُ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ كذلك كانت سنة الله ‏{‏فِى عِبَادِهِ‏}‏‏.‏ يعني‏:‏ العذاب في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب، لم ينفعهم الإيمان‏.‏ وقال القتبي‏:‏ هكذا سنة الله أنه من كفر عذبه، ‏{‏وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون‏}‏ أي‏:‏ خسر عند ذلك الكافرون بتوحيد الله عز وجل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم‏.‏

سورة فصلت

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏2‏)‏ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏4‏)‏ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى ‏{‏حم‏}‏ اسم السورة‏.‏ ويقال‏:‏ حم يعني‏:‏ قضي ما هو كائن ويقال هو قسم أقسم الله تعالى به‏.‏ ‏{‏تَنزِيلَ‏}‏ أي‏:‏ نزل بهذا القرآن جبريل، ‏{‏مّنَ الرحمن الرحيم‏}‏ تنزيل صار رفعاً بالابتداء، وخبره، ‏{‏كتاب فُصّلَتْ ءاياته‏}‏ ويقال‏:‏ صار رفعاً بإضمار فيه‏.‏ ومعناه‏:‏ هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏فُصّلَتْ ءاياته‏}‏ يعني‏:‏ بينت، وفسرت دلائله، وحججه‏.‏ ويقال‏:‏ بيّن حلاله، وحرامه، ‏{‏قُرْءاناً عَرَبِيّاً‏}‏ صار نصباً على الحال‏.‏ أي‏:‏ بينت آياته في حال جمعه، ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ يصدقون، ويقرون بالرسل‏.‏ ويقال‏:‏ يعلمون ما فيه، ويفهمونه‏.‏ ‏{‏قُرْءاناً عَرَبِيّاً‏}‏ أخذ من الجمع، ولو كان غير عربي لم يعلموه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَشِيراً وَنَذِيراً‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏بَشِيراً‏}‏ للمؤمنين بالجنة ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ للكافرين بالنار‏.‏ ‏{‏فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أعرض أكثر أهل مكة، ‏{‏فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يسمعون سمعاً ينفعهم، لأنهم لا يجيبون، ولا يطيعون‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ في غطاء لا نفقه ما تقول، ‏{‏مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ‏}‏ من التوحيد لا يصل إلى قلوبنا، ‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى‏}‏ يعني‏:‏ ثقلاً فلا نسمع قولك‏.‏ يعني‏:‏ نحن في استماع قولك، كالصم لا نسمع ما تقول، ‏{‏وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ‏}‏ أي ستر، وغطاء، ‏{‏فاعمل إِنَّنَا عاملون‏}‏ يعني‏:‏ اعمل على أمرك، نعمل على أمرنا‏.‏ ويقال‏:‏ اعمل لإلهك الذي أرسلك، إننا عاملون لآلهتنا، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي‏.‏ ويقال‏:‏ اعمل في هلاكنا، إننا عاملون في هلاكك‏.‏ روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه‏:‏ أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش‏:‏ ألا أقُوم إلى هذا الرجل، وأكلمه، وأعرض عليه أموراً، لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يزيدون، ويكثرون‏.‏ فقالوا‏:‏ بلى يا أبا الوليد‏.‏ فقام عتبة‏:‏ حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وعبت آلهتهم، ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فإن كنت، إنما تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنت تريد شرفاً شرفناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه، أي‏:‏ خيالاً، لا تستطيع أن تردّه عنك نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا لك فيه أموالنا حتى نبريك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يداوى منه‏.‏

فلما فرغ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرحمن الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُه‏}‏ حتى انتهى إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة مِّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 13‏]‏» فقام عتبة، وجاء إلى أصحابه‏.‏ فقال بعضهم لبعض‏:‏ تالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب، فلما جلس إليهم قالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة‏.‏ يا معشر قريش أطيعوني، وخلوا بيني وبين الرجل، وبين ما هو فيه‏.‏ فقالوا‏:‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه‏.‏ فقال‏:‏ هذا الرأي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 12‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ‏(‏6‏)‏ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏7‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏8‏)‏ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏9‏)‏ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ‏(‏10‏)‏ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ‏(‏11‏)‏ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد، ‏{‏إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ آدمياً مثلكم، ‏{‏يوحى إِلَىَّ‏}‏ ما أبلغكم من الرسالة، ‏{‏أَنَّمَا إلهكم إله واحد فاستقيموا إِلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ أقروا له بالتوحيد، ‏{‏واستغفروه‏}‏ من الشرك، ‏{‏وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ‏}‏ يعني‏:‏ الشدة من العذاب للمشركين، ‏{‏الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة‏}‏ يعني‏:‏ لا يعطون الزكاة، ولا يقرون بها، ‏{‏وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون‏}‏ يعني‏:‏ بالبعث بعد الموت‏.‏

ثم وصف المؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ صدقوا بالله، وأدوا الفرائض، ‏{‏لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير منقوص‏.‏ ويقال‏:‏ غير مقطوع‏.‏ عنهم في حال ضعفهم، ومرضهم‏.‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُل أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ‏}‏ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التهديد والزجر‏.‏ يعني‏:‏ أئنكم لتكذبون بالخالق الذي خلق الأرض في يومين، يوم الأحد ويوم الاثنين‏.‏ فبدأ خلقها في يوم الأحد، وبسطها في يوم الاثنين، ‏{‏وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً‏}‏ يعني‏:‏ تصفون له شركاء من الآلهة، ‏{‏ذَلِكَ رَبُّ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلق الأرض، فهو رب جميع الخلق، ولو أراد الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل، وكان قادراً‏.‏ ولكنه أحب أن يبصر الخلق وجوه الأناة، والقدرة على خلق السموات والأرض في أيام كثيرة، وفي لحظة واحدة سواء، لأن الخلق عاجزون عن مثقال ذرة منها، وكان ابتداء خلق الأرض في يوم الأحد، وإتمام خلقها، وبسطها في يوم الاثنين‏.‏

‏{‏وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا‏}‏ يعني‏:‏ وخلق في الأرض الرواسي‏.‏ يعني‏:‏ الجبال الثوابت من فوقها، ‏{‏وبارك فِيهَا‏}‏ بالماء، والشجر، ‏{‏وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها‏}‏ يعني‏:‏ قسم فيها الأرزاق‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏قُدِر فِيهَا أقواتها‏}‏ يعني‏:‏ قدر في كل قرية عملاً لا يصلح في الأخرى، مثل النيسابوري لا يكون إلا بنيسابور، والهروي لا يكون إلا بهراة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها‏}‏ قال‏:‏ جبالها، ودوابها، وأنهارها، وثمارها‏.‏ وقال الحسن ‏{‏وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها‏}‏ قال‏:‏ أرزاقها‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ أرزاقها، ومعايشها وروى الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي الله عنهم قال‏:‏ أول ما خلق الله من شيء، خلق القلم‏.‏ فقال له اكتب‏.‏ فقال‏:‏ يا رب وما أكتب‏؟‏ فقال‏:‏ اكتب القدر‏.‏ فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة‏.‏ ثم خلق النون، ثم رفع بخار الماء، ففتق منه السموات، ثم بسط الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فتمادت الأرض، فأوتدت بالجبال‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ‏}‏ يعني‏:‏ من أيام الآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ من أيام الدنيا، ‏{‏سَوَاء لّلسَّائِلِينَ‏}‏ يعني‏:‏ لمن سأل الرزق ومن لم يسأل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏سَوَاء لّلسَّائِلِينَ‏}‏ يعني‏:‏ عدلاً لمن سأل الرزق، كقوله‏:‏

‏{‏إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 22‏]‏ يعني‏:‏ عدلاً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال‏:‏ «خَلَقَ الأَرْوَاحَ، قَبْلَ الأَجْسَادَ بأَرْبَعِ آلافِ سَنَة»، وهكذا خلق الأرزاق قبل الأرواح بأربع آلاف سنة ‏{‏فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء‏}‏‏.‏ قرأ الحسن‏:‏ ‏{‏سَوَآء‏}‏ بكسر الألف‏.‏ وقرأ أبو جعفر المدني‏:‏ ‏{‏سَوَآء‏}‏ بالضم‏.‏ وقراءة العامة‏:‏ بالنصب‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالكسر، جعل سواء صفة للأيام، والمعنى في أربعة أيام، مستويات، تامات للسائلين‏.‏ ومن قرأ‏:‏ بالضم، فمعناه في أربعة أيام وقد تم الكلام‏.‏

ثم استأنف فقال‏:‏ ‏{‏سَوَاء لّلسَّائِلِينَ‏}‏ ومن قرأ‏:‏ بالنصب‏.‏ يعني‏:‏ قدرها سواء صار نصباً على المصدر‏.‏ ومعناه‏:‏ استوت استواءً‏.‏ ‏{‏ثُمَّ استوى إِلَى السماء‏}‏ أي‏:‏ صعد أمره إلى السماء، وهو قوله‏:‏ ‏{‏كُنَّ‏}‏ ويقال‏:‏ عمد إلى خلق السماء ‏{‏وَهِىَ دُخَانٌ‏}‏ يعني‏:‏ بخار الماء كهيئة الدخان‏.‏ وذلك أنه لما خلق العرش، لم يكن تحت العرش شيء سوى الماء كما قال‏.‏ وكان عرشه على الماء، ثم ألقى الحرارة على الماء حتى ظهر منه البخار، فارتفع بخاره كهيئة الدخان، فارتفع البخار، وألقى الريح الزبد على الماء، فزيد الماء، فخلق الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان وهو البخار‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهِىَ دُخَانٌ‏}‏، ‏{‏فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ‏}‏ يعني‏:‏ للسماء، والأرض، ‏{‏ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً‏}‏ يعني‏:‏ اعطيا الطاعة، طوعاً أو كرهاً‏.‏ يعني‏:‏ ائتيا بالمعرفة لربكما، والذكر له طوعاً، أو كرهاً، ‏{‏قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ‏}‏ فأعطيا الطاعة بالطوع‏.‏ ويقال‏:‏ كانت السماء رتقاً عن المطر، والأرض عن النبات، فقال لهما ‏{‏ائتيا‏}‏ يعني‏:‏ أعطيا، وأخرجا ما فيكما من المطر، والنبات منفعة للخلق إن شئتما طائعين، وإن شئتما كارهين‏.‏ ‏{‏قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ‏}‏ يعني‏:‏ أخرجنا ما فينا طائعين غير كارهين‏.‏ وروي عن مجاهد أنه قال‏:‏ معناه يا سماء أبرزي شمسك، وقمرك، ونجومك، ويا أرض أخرجي نباتك طوعاً، أو كرهاً‏.‏ ويقال‏:‏ هذا على وجه المثل، يعني‏:‏ أمرهما بإخراج ما فيهما، فأخرجتا طائعتين‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا‏}‏ يعني‏:‏ أمر أهل كل سماء بأمرها‏.‏ قال السدي‏:‏ خلق في كل سماء، خلقاً من الملائكة، ‏{‏وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح‏}‏ يعني‏:‏ بالنجوم ‏{‏وَحِفْظاً‏}‏ يعني‏:‏ من الشياطين أن يسترقوا السمع ‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ الذي ذكر من صنعه ‏{‏تَقْدِيرُ العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏العليم‏}‏ بخلقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 18‏]‏

‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ‏(‏13‏)‏ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏14‏)‏ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏15‏)‏ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏16‏)‏ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏17‏)‏ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ خوفتكم، ‏{‏صاعقة‏}‏ أي‏:‏ عذاباً، ‏{‏مّثْلَ صاعقة‏}‏ أي‏:‏ مثل عذاب ‏{‏عَادٍ وَثَمُودَ‏}‏‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان عاد وثمود ابني عم، وموسى وقارون ابني عم، وإلياس واليسع، ابني عم، وعيسى ويحيى ابني خالة‏.‏ ومعنى‏:‏ الآية إن لم يعتبروا فيما وصف لهم من قدرتي، وعظمتي، في خلق السموات والأرض، وأعرضوا عن الإيمان‏.‏ فقال‏:‏ أنذرتكم عذاباً مثل عذاب عاد وثمود، أنه يصيبهم مثل ما أصابهم‏.‏ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله‏:‏ أخبرني الخليل بن أحمد‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا علي بن المنذر‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن ابن حرملة، عن جابر بن عبد الله‏:‏ أن أبا جهل، والملأ من قريش، بعثوا عتبة بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه، فقال‏:‏ له أنت يا محمد خير أم هاشم‏؟‏ أنت خير أم عبد المطلب‏؟‏ فلم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك لواء، وكنت رأساً ما بقيت‏.‏ وإن كنت تريد الباءة، زوجناك عشرة نسوة تختارهن، من أي حي، من بنات قريش شئت‏.‏ وإن كنت تريد المال، جمعنا لك من أموالنا، ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك‏.‏ فلما فرغ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم حمتَنزِيلٌ مّنَ الرحمن الرحيم‏}‏» إلى قوله‏:‏ «‏{‏مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ ‏"‏‏.‏ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم أن يكف‏.‏ ثم رجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم‏.‏ فقال‏:‏ أبو جهل‏:‏ والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا وقد صبأ، فأتوه‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبوت إلى دين محمد، وأعجبك أمره، فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمداً أبداً‏.‏ وقال‏:‏ إني أتيته، وقصصت عليه القصة، فأجابني بقوله‏:‏ ‏"‏ والله ليس فيه سحر ولا شعر، ولا كهانة ‏"‏ فأمسكت على فيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم إذا قال قولاً، لم يكذب‏.‏ فخفت أن ينزل بكم العذاب‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ جَاءتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ من قبل عاد وثمود، ‏{‏وَمِنْ خَلْفِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد عاد وثمود، ‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله‏}‏ يعني‏:‏ ألا تطيعوا في التوحيد غير الله‏.‏ وهذا قول الرسل لقومهم، فأجابهم قومهم‏:‏ ‏{‏قَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة‏}‏ ولم يرسل إلينا آدمياً، ‏{‏فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون‏}‏ أي‏:‏ جاحدون‏.‏

وقد قيل في قوله‏:‏ ‏{‏مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ خوفوهم من بين أيديهم من أمر الآخرة، وحذروهم النار، ورغبوهم في الجنة‏.‏

‏{‏وَمِنْ خَلْفِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ زهّدوهم في الدنيا، فلم يقبلوا، وقد قيل‏:‏ ‏{‏مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ما خلق قبلهم، كيف أهلكهم الله، ومما خلفهم من أمر الآخرة‏.‏ ‏{‏فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ تعظموا عن الإيمان عن قول لا إله إلا الله، ‏{‏بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَهُمْ‏}‏ وقواهم، ‏{‏هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً‏}‏ يعني‏:‏ بطشاً، ولم يعتبروا بذلك‏.‏ ‏{‏وَكَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ جاحدين بما آتاهم هود عليه السلام، أنه لا ينزل بهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً‏}‏ يعني‏:‏ ريحاً بارداً، ذا صوت ودوي تحرق، كما تحرق النار‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏رِيحاً صَرْصَراً‏}‏ أي‏:‏ شديدة الصوت، ‏{‏فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ‏}‏‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ شدائد‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ أيام مشؤومات‏.‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ‏{‏فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ‏}‏ بجزم الحاء، والباقون‏:‏ بكسر الحاء، ومعناهما واحد‏.‏ ويقال‏:‏ يوم نحس، ويوم نحس، وأيام نحسه، ونحسه، والنحسات جمع الجمع‏.‏

‏{‏لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى‏}‏ يعني‏:‏ العذاب الشديد في الدنيا، قبل عذاب الآخرة‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 41‏]‏ يعني‏:‏ ليصيبهم بعض العقوبة في الدنيا‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الادنى دُونَ العذاب الاكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يتوبون‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ‏}‏ يعني‏:‏ أشد مما كان في الدنيا‏.‏ ‏{‏وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يمنعهم أحد من عذاب الله، لا في الدنيا، ولا في الآخرة‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا ثَمُودُ‏}‏ قرأ الأعمش‏:‏ ‏{‏ثَمُودُ‏}‏ بالتنوين‏.‏ وقراءة العامة بغير تنوين‏.‏ ‏{‏فهديناهم‏}‏ يعني‏:‏ بيّنا لهم الحق من الباطل، والكفر من الإيمان‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏فهديناهم‏}‏ أي‏:‏ دعوناهم‏.‏ وقال قتادة ومقاتل‏:‏ بيّنا لهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ دعوناهم، ودللناهم، ‏{‏فاستحبوا العمى عَلَى الهدى‏}‏ يعني‏:‏ اختاروا الكفر على الإيمان‏.‏ ويقال‏:‏ اختاروا طريق الضلالة، على طريق الهدى، ‏{‏فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون‏}‏ والصاعقة هي العذاب الْهُونِ‏.‏ يعني‏:‏ يهانون فيه‏.‏ ويقال‏:‏ الهون الشديد‏.‏ ‏{‏بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعملون من الشرك، والمعاصي‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَنَجَّيْنَا الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ‏}‏ يعني‏:‏ آمنوا بصالح النبي عليه السلام، وَكَانُوا يَتَّقُونَ عقر الناقة، ويتقون الشرك، والفواحش‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 25‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ‏(‏19‏)‏ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏20‏)‏ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏22‏)‏ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏23‏)‏ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ‏(‏24‏)‏ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله‏}‏ يعني‏:‏ يساق أعداء الله، وهم الكفار والمنافقون، ‏{‏إِلَى النار‏}‏‏.‏ قرأ نافع‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُ‏}‏ بالنون، أعداء‏:‏ بالنصب، على معنى الإضافة إلى نفسه‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالياء والضم‏.‏ ‏{‏يُحْشَرُ أَعْدَاء الله‏}‏ على معنى فعل ما لم يسم فاعله، ويوم صار نصباً لإضمار فيه‏.‏ يعني‏:‏ واذكر يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله إلَى النَّارِ، ‏{‏فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يحبس أولهم‏:‏ ليلحق بهم آخرهم‏.‏ وأصله من وزعته أي‏:‏ كففته‏.‏

‏{‏حتى إِذَا مَا‏}‏ يعني‏:‏ إذا جاؤوها، ما صلة في الكلام‏.‏ يعني‏:‏ جاؤوا النار، وعاينوها‏.‏ قيل لهم‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 22‏]‏ فقالوا عند ذلك وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فيختم على أفواههم، وتستنطق جوارحهم، فتنطق بما كتمت الألسن، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏جَاءوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ آذانهم بما سمعت، ‏{‏وأبصارهم‏}‏ يعني‏:‏ أعينهم بما نظرت، ورأت، ‏{‏وَجُلُودُهُم‏}‏ يعني‏:‏ فروجهم، ‏{‏بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ بجميع أعمالهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ لجوارحهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الجلود كناية عن الفروج، ‏{‏لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَئ‏}‏ يعني‏:‏ أنطق الدواب، وغيرهم، ‏{‏وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ أنطقكم في الدنيا، ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ما كنتم تمتنعون‏.‏ ويقال‏:‏ ما كنتم تحسبون، وتستيقنون، ‏{‏أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ من الخير، والشر، ‏{‏وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ذلك الظن الذي أهلككم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَرْدَاكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أغواكم‏.‏ ويقال‏:‏ أهلككم سوء الظن‏.‏ وروى الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ يَقُولُ الله تَعَالَى‏:‏ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي ‏"‏‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل‏.‏ وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل‏.‏ ‏{‏فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ الخاسرين‏}‏ يعني‏:‏ صرتم من المغبونين‏.‏

‏{‏فَإِن يَصْبِرُواْ‏}‏ على النار، ‏{‏فالنار مَثْوًى لَّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ مأوى لهم‏.‏ ويقال‏:‏ هذا جواب، لقولهم‏:‏ ‏{‏اصبروا على ءالِهَتِكُمْ‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ‏}‏، ‏{‏وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ‏}‏ أي‏:‏ يسترجعوا من الآخرة، إلى الدنيا، ‏{‏فَمَا هُم مّنَ المعتبين‏}‏ أي‏:‏ من المرجوعين إلى الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ‏}‏ يعني‏:‏ وإن يطلبوا العذر، ‏{‏فَمَا هُم مّنَ المعتبين‏}‏ أي‏:‏ لا يسمع، ولا يقبل منهم عذر‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء‏}‏ قال القتبي‏:‏ يعني‏:‏ ألزمناهم قرناء من الشياطين‏.‏

وقال أهل اللغة‏:‏ قيض يعني‏:‏ سلط‏.‏ ويقال‏:‏ قيض بمعنى قدر‏.‏ ‏{‏فَزَيَّنُواْ لَهُم‏}‏ يعني‏:‏ زينوا لهم التكذيب بالحساب، وقال الحسن‏:‏ ‏{‏وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء‏}‏ أي‏:‏ خلينا بينهم، وبين الشياطين بما استحقوا من الخذلان، فَزَيَّنُوا لَهُمْ، ‏{‏مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ‏}‏ قال الضحاك‏.‏ يعني‏:‏ شككوهم في أمر الآخرة، وَمَا خَلْفَهُمْ يعني‏:‏ رغبوهم في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ زينوا لهم ما بين أيديهم‏.‏ يعني‏:‏ ما كان عليه آباؤهم من أمر الجاهلية، وما خلفهم‏.‏ يعني‏:‏ تكذيبهم بالبعث، ‏{‏وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول‏}‏ يعني‏:‏ وجب عليهم العذاب ‏{‏فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ مع أمم قد خلت من قبل أهل مكة، ‏{‏مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين‏}‏ بالعقوبة‏.‏ ويقال‏:‏ إنَّهُمْ كَانوا خاسِرِين مثلهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 29‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ‏(‏26‏)‏ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏27‏)‏ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏28‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان‏}‏ نزلت الآية في أبي جهل، وأصحابه، فإنه قال‏:‏ إذا تلى محمد القرآن، فارفعوا أصواتكم، بالأشعار، والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏والغوا فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ الغطوا، واللغط هو الشغب، والجلب، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ تغلبوهم فيسكتون‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏والغوا فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ عارضوه بكلام لا يفهم، يكون ذلك الكلام لغواً‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا بالقتل، ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ‏}‏ في الآخرة ‏{‏أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أقبح ما كانوا يعملون، ويقال‏:‏ هذا كله من عذاب الآخرة‏.‏ يعني‏:‏ فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة عذاباً شديداً، ولنجزينهم من العذاب أَسْوَأَ ما كانوا يعملون‏.‏ يعني‏:‏ بأسوإ أعمالهم، وهو الشرك‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء الله النار‏}‏ يعني‏:‏ ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النَّارُ‏.‏ يعني‏:‏ ذلك العذاب هو النار ويقال‏:‏ صار رفعاً بالبدل عن الجزاء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ‏}‏ يعني‏:‏ في النار موضع المقام أبداً، ‏{‏جَزَاء أَعْدَاء الله النار لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بالكتاب، والرسل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا اللذين‏}‏ يعني‏:‏ الصنفين اللذين ‏{‏أضلانا‏}‏ يعني‏:‏ استنا ضلالتنا، ‏{‏مّنَ الجن والإنس‏}‏ ويقال‏:‏ جهلانا حتى نسينا الآخرة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الاسفلين‏}‏ في النار‏.‏ ويقال‏:‏ من الجن‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني‏:‏ ابن آدم الذي قتل أخاه‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ رؤساؤهم في الضلالة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 67‏]‏ الآية‏.‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏أَرِنَا‏}‏ بجزم الراء‏.‏ والباقون‏:‏ بالكسر ومعناهما واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 36‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏30‏)‏ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ‏(‏31‏)‏ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ‏(‏32‏)‏ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏33‏)‏ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ‏(‏34‏)‏ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ‏(‏35‏)‏ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا‏}‏ يعني‏:‏ قالوا ربنا الله، فعرفوه، واستقاموا على المعرفة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ يعني‏:‏ آمنوا، ثم استقاموا على طاعة الله‏.‏ وقال ابن عباس في رواية الكلبي‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏ على ما افترض الله عليهم‏.‏ وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية، ثم قال‏:‏ أتدرون ما استقاموا عليه‏؟‏ فقالوا‏:‏ ما هو يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ «اسْتَقَامُوا، وَلَمْ يُشْرِكُوا»‏.‏ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏ ولم يروغوا روغان الثعلب على طاعة الله‏.‏ فقال ابن عباس في رواية القتبي‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏‏.‏ وعن أبي العالية أنه قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏ أي‏:‏ أخلصوا له الدين، والعمل‏.‏ ويقال‏:‏ وحّدوا الله تعالى، واستقاموا على طاعته، ولزموا سنة نبيه‏.‏ وقال بعض المتأخرين‏:‏ معناه‏:‏ ثم استقاموا أفعالاً، كما استقاموا أقوالاً‏.‏ وقد قيل أيضاً‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا‏}‏ يعني‏:‏ يقولون الله مانعنا، ومعطينا، وضارنا، ونافعنا، ‏{‏ثُمَّ استقاموا‏}‏ على ذلك القول، ولا يرون النفع، ولا يرجون من أحد دون الله تعالى، ولا يخافون أحداً دون الله، فذكر أعمالهم، ثم ذكر ثوابهم‏.‏

فقال‏:‏ ‏{‏تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة‏}‏ قال الكلبي يعني‏:‏ تتنزل عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم، ويبشرونهم، ويقولون‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ لا تخافوا ما أمامكم من العذاب‏.‏ ولا تحزنوا على ما خلفكم من الدنيا‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ تتنزل عليهم الملائكة يعني‏:‏ تتنزل عليهم الحفظة من السماء، يوم القيامة، فتقول له‏:‏ أتعرفني‏؟‏ فيقول‏:‏ لا‏.‏ فيقول‏:‏ أنا الذي كنت أكتب عملك، وبشره بالجنة، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ في الدنيا‏.‏ وقال زيد بن أسلم البشرى‏:‏ في ثلاث مواطن، عند الموت، وفي القبر، وفي البعث‏.‏ وقال بعض المتأخرين‏:‏ هذه البشرى للخائف الحزين، لا للآمن المستبشر‏.‏ يعني‏:‏ الذي كان خائفاً في الدنيا‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الحياة‏}‏ يعني‏:‏ تقول لهم الحفظة، نحن كنا أولياءكم في الحياة الدنيا، ونحن أولياؤكم، ‏{‏وَفِى الاخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لكم في الجنة ما تحب، وتتمنى قلوبكم، ‏{‏وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تسألون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أي‏:‏ رزقاً ‏{‏مّنْ غَفُورٍ‏}‏ للذنوب العظام، ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بالمؤمنين‏.‏ حكى الزجاج عن الأخفش‏:‏ ‏{‏نُزُلاً‏}‏ منصوباً من وجهين، أحدهما على المصدر، فمعناه‏:‏ أنزلناه نزلاً‏.‏ ويجوز أن يكون على الحال‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صالحا‏}‏ قال بعضهم‏:‏ الآية نزلت في شأن المؤذنين، يدعون الناس إلى الصلاة‏.‏

‏{‏وَعَمِلَ صالحا‏}‏ يعني‏:‏ صلى بين الأذان، والإقامة‏.‏ ويقال‏:‏ الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد الله تعالى ‏{‏عَمِلَ صالحا‏}‏ يعني‏:‏ الطاعات‏.‏ ويقال‏:‏ العلماء يعلمون الناس أمور دينهم، ويدعونهم إلى طريق الآخرة ‏{‏وَعَمِلَ صالحا‏}‏ يعني‏:‏ عملوا بالعلم‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت الآية في الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر‏.‏ يعني‏:‏ يأمرون بالمعروف، ويعملون به، ويصبرون على ما أصابهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين‏}‏ يعني‏:‏ أكون على دين الإسلام، لأنه لا تقبل طاعة بغير دين الإسلام‏.‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَسْتَوِى الحسنة وَلاَ السيئة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ لا زائدة، مؤكدة، والمعنى‏:‏ ‏{‏لا تَسْتَوِى الحسنة‏}‏ يعني‏:‏ لا تستوي الطاعة، والمعصية‏.‏ ولا يستوي الكفر، والإيمان‏.‏ ويقال‏:‏ لا يستوي البصير، والأعمى‏.‏ ويقال‏:‏ لا يستوي الصبر، والجزع، واحتمال الأذى، والإساءة‏.‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذيه أبو جهل لعنة الله عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره رؤيته بُغْضاً له، فأمره الله تعالى بالعفو، والصفح، فقال‏:‏ ‏{‏لقادرون ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ يعني‏:‏ ادفع بالكلمة الحسنة، الكلمة القبيحة، ‏{‏فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ إذا فعلت ذلك، يصير الذي بينك وبينه عداوة، بمنزلة القرابة في النسب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ الكلمة الحسنة، ودفع السيئة، ما يعطاها إلا الذين صبروا على طاعة الله، وأداء الفرائض، ‏{‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ ذو نصيب وافر في الآخرة‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ يعني‏:‏ بقول لا إله إلا الله السيئة‏.‏ يعني‏:‏ الشرك‏.‏ ‏{‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ‏}‏ على كظم الغيظ‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ‏}‏ يعني‏:‏ يصيبك ‏{‏مِنَ الشيطان نَزْغٌ‏}‏ يعني‏:‏ وسوسة على الاحتمال، ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ من شره، وامض على احتمالك‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ‏}‏ يعني‏:‏ يفتتنك مِنَ الشَّيْطَانِ‏.‏ ‏{‏نَّزغَ‏}‏ أي‏:‏ فتنة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الذنب عند دفع السيئة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏يَنَزَغَنَّكَ‏}‏ يعني‏:‏ يغوينك ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ يعني‏:‏ تعوذ بالله، ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السميع‏}‏ للاستعاذة، ‏{‏العليم‏}‏ بقول الكفار وعقوبتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 39‏]‏

‏{‏وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏37‏)‏ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ‏(‏38‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ ءاياته‏}‏ يعني‏:‏ من علامات وحدانيته، ‏{‏وَمِنْ ءاياته اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ‏}‏ يعني‏:‏ خلق الشمس، والقمر، والليل، والنهار، دلالة لوحدانيته، لتعرفوا وحدانيته فتعبدوه، ولا تعبدوا هذه الأشياء، ‏{‏واسجدوا لِلَّهِ الذى خَلَقَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ اعبدوا خالق هذه الأشياء، واسجدوا له، وأطيعوه، ‏{‏إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ إن أردتم بعبادة الشمس، والقمر، رضا الله تعالى‏.‏ فإن رضاه أن تعبدوه، ولا تعبدوا غيره‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ إن أردتم بعبادتهما عبادة الله تعالى، فاعبدوا الله، وأطيعوه، ولا تسجدوا لغيره، ‏{‏فَإِنِ استكبروا‏}‏ يعني‏:‏ تكبروا عن السجود لله تعالى، وعن توحيده‏.‏

‏{‏فالذين عِندَ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة، ‏{‏يُسَبّحُونَ لَهُ‏}‏ يعني‏:‏ يصلون لله تعالى ‏{‏الذين يُنفِقُونَ‏}‏ يقال‏:‏ هو التسبيح بعينه‏.‏ يعني‏:‏ يسبحونه، ويذكرونه، ‏{‏وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يملون من الذكر، والعبادة، والتسبيح‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِنْ ءاياته‏}‏ أي‏:‏ من علامات وحدانيته، ‏{‏أَنَّكَ تَرَى الارض خاشعة‏}‏ أي‏:‏ غبراء، يابسة، لا نبت فيها، ‏{‏فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء‏}‏ يعني‏:‏ المطر ‏{‏اهتزت‏}‏ يعني‏:‏ تحركت بالنبات، ‏{‏وَرَبَتْ‏}‏ أي‏:‏ علت يعني‏:‏ انتفخت الأرض إذا أرادت أن تنبت ‏{‏إِنَّ الذى أحياها‏}‏ بعد موتها ‏{‏فانظر إلى‏}‏ للبعث في الآخرة، ‏{‏إِنَّهُ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ من البعث وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 42‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏40‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ‏(‏41‏)‏ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ‏(‏42‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِى ءاياتنا‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ يميلون عن الإيمان بالقرآن‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ يميلون في آياتنا بالتكذيب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الإلحاد التكذيب‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي يجعلون الكلام على غير وجهه‏.‏ ومن هذا سمي اللحد لحداً، لأنه في جانب القبر‏.‏ قرأ حمزة‏:‏ ‏{‏يُلْحِدُونَ‏}‏ بنصب الحاء، والياء‏.‏ والباقون‏:‏ بضم الياء، وكسر الحاء، ومعناهما واحد، لحد وألحد بمعنى واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا‏}‏ أي‏:‏ لا يقدرون على أن يهربوا من عذابنا، ولا يستترون منا، ‏{‏أَفَمَن يلقى فِى النار‏}‏ يعني‏:‏ أبا جهل وأصحابه، ‏{‏إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِى‏}‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت في شأن جميع الكفار، وجميع المؤمنين‏.‏ يعني‏:‏ من كان مرجعه إلى النار، حاله يكون خيراً أم حال من يدخل الجنة‏.‏

ثم قال لكفار مكة‏:‏ ‏{‏اعملوا مَا شِئْتُمْ‏}‏ لفظه لفظ التخيير والإباحة، والمراد به التوبيخ، والتهديد، لأنه بيّن مصير كل عامل‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ من الخير، والشر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ بصير أي‏:‏ عالم ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ جحدوا بالقرآن لما جاءهم، ‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، ‏{‏لكتاب عَزِيزٌ‏}‏ يعني‏:‏ كريم عند المؤمنين‏.‏ ويقال‏:‏ كريم على الله، أنزله آخر الكتب‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كتاب عزيز يعني‏:‏ منيع عن الباطل‏.‏ ويقال‏:‏ عزيز لا يوجد مثله في النظم، وكثرة فوائده‏.‏

‏{‏لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ‏}‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ ‏{‏لاَّ يَأْتِيهِ الباطل‏}‏ أي‏:‏ لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله، كل يصدق هذا، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ‏}‏ يعني‏:‏ لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقاً، ولا يؤيد فيه باطلاً‏.‏ قال أبو الليث‏:‏ حدثنا الخليل بن أحمد‏.‏ قال‏:‏ حدثنا الباغندي‏.‏ قال‏:‏ حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أمتك ستفترق من بعدك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بَلَى»‏.‏ فقالوا‏:‏ ما المخرج منها‏.‏ فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال‏:‏ كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد‏.‏ من ابتغى العلم في غيره، أضله الله، ومن حكم بغيره، قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من كان قبلكم، وبيان من بعدكم، والحكم فيما بينكم هو الفصل المبين، وهو الفصل، وليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن، فقالوا‏:‏ إنا سمعنا قرآناً عجباً لا يخلق على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن تنزيل من الله تعالى، الحكيم في أمره، المحمود في فعاله‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ‏}‏، لم يذكر جوابه، وجوابه مضمر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ جوابه في قوله‏:‏ ‏{‏وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ويقال‏:‏ جوابه في قوله ‏{‏وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 44‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 46‏]‏

‏{‏مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏43‏)‏ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏44‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏45‏)‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏46‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ اصبر على مقالة الكفار، فإنهم لا يقولون من التكذيب لك، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك من التكذيب‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ‏{‏مَّا يُقَالُ لَكَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يؤمر لك‏.‏ يعني‏:‏ في الرسالة إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، بأن يعبدوا الله‏.‏ فيقال لك‏:‏ أن تعبد الله أيضاً‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏مَّا يُقَالُ لَكَ‏}‏ إلا بأن تبلغ الرسالة، ‏{‏إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ‏}‏ بأن يبلغوا الرسالة، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أي ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى أجلهم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ‏}‏ لمن تاب من الشرك، ‏{‏وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ لمن لم يتب، ومات على الكفر‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ لو أنزلناه بلسان العبرانية، ‏{‏لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته‏}‏ يعني‏:‏ هلا بيّن بالعربية‏.‏ ‏{‏ءاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ‏}‏ ويقولون‏:‏ القرآن أعجمي، والرسول عربي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر‏:‏ بهمزتين بغير مد‏.‏ والباقون بهمزة واحدة مع المد، ومعناهما واحد ويكون على معنى الاستفهام‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏أَعْجَمِىٌّ‏}‏ بهمزة واحدة بغير مد‏.‏ ويكون على غير وجه الاستفهام‏.‏ وقرأ بعضهم ‏{‏أَعْجَمِىٌّ‏}‏ بنصب العين، والجيم‏.‏ يقال‏:‏ رجل عجمي إذا كان من العجم، وإن كان فصيحاً‏.‏ ورجل أعجمي إذا كان لا يفصح، وإن كان من العرب‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى‏}‏ يعني‏:‏ القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، ‏{‏وَشِفَاء‏}‏ أي‏:‏ شفاء لما في الصدور من العمى، ‏{‏والذين لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ بالآخرة، ‏{‏وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً‏}‏ يعني‏:‏ ثقل، وصم، ‏{‏وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏}‏ عَمي بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب‏.‏ يعني‏:‏ القرآن عليهم حجة، وهذا قول الكلبي‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ عموا عنه فلا ينظرونه، ولا يفهمونه‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏}‏ بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب، على معنى المصدر‏.‏ كما أنه قال‏:‏ ‏{‏هُدًى وَشِفَاء‏}‏ على معنى المصدر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ وهذا على سبيل المثل‏.‏ يقال للرجل إذا قل فهمه‏:‏ إنك تنادي من مكان بعيد يعني‏:‏ إنك لا تفهم شيئاً ويقال ينادون من مكان بعيد‏.‏ يعني‏:‏ من السماء‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ بعيداً من قلوبهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ينادون يوم القيامة من مكان بعيد، فينادى الرجل بأشنع أسمائه‏.‏ يعني‏:‏ يقال له يا فاسق، يا منافق يا، كذا يا كذا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ أعطينا موسى التوراة، ويقال‏:‏ الألواح‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فاختلف فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ صدق بعضهم، وكذب بعضهم، ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ وجبت بتأخير العذاب، ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لفرغ من أمرهم، ولهلك المكذب‏.‏ ‏{‏وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ‏}‏ يعني‏:‏ من العذاب بعد البعث ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ لا يعرفون شكهم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ أي‏:‏ ظاهر الشك‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ‏}‏ بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب، إذ كذبوه كما فعل بغيرهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ‏}‏ يعني‏:‏ ثوابه لنفسه، ‏{‏وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا‏}‏ يعني‏:‏ العذاب على نفسه، ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ يعني‏:‏ لا يعذب أحداً بغير ذنب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 50‏]‏

‏{‏إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ‏(‏47‏)‏ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏48‏)‏ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ‏(‏49‏)‏ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏(‏50‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة‏}‏ يعني‏:‏ لا يعلم قيام الساعة أحد إلا الله‏.‏ يعني‏:‏ يرد الخلق كلهم علم قيام الساعة إلى ربهم‏.‏ ‏{‏وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا‏}‏ يعني‏:‏ من أجوافها‏.‏ يعني‏:‏ حين تطلع، وغلاف كل شيء كمه أي‏:‏ تخرج من موضعها الذي كانت فيه‏.‏ قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، في إحدى رواية حفص‏:‏ ‏{‏مِن ثمرات‏}‏ بلفظ الجمع‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏مِن ثَمَرَةٍ‏}‏ بلفظ الواحد‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ‏}‏ يعني‏:‏ إلا وهو يعلمه، ولا يعلم أحد قبل الولادة، قبل صفته، ولا يعلم أحد بعد وضعه، كم أجله‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يدعوهم، ‏{‏أَيْنَ شُرَكَائِىَ‏}‏ يعني‏:‏ الذين كنتم تدعون من دون الله، ‏{‏قَالُواْ ءاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ‏}‏ يعني‏:‏ أعلمناك، وقلنا لك‏:‏ ‏{‏مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ‏}‏ يعني‏:‏ يشهد بأن لك شريك تبرؤوا من أن يكون مع الله شريك‏.‏ وقالوا‏:‏ ما منا من أحد يشهد لك أنه عبد أحد دونك‏.‏ وقال القتبي‏:‏ هذا قول الآلهة التي كانوا يعبدون في الدنيا‏.‏ ما منا من شهيد لهم كما قالوا‏.‏ وادعوه في الدنيا فينا‏.‏ ‏{‏وَضَلَّ عَنْهُم‏}‏ يعني‏:‏ بطل عنهم، ‏{‏مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ‏}‏ في الدنيا، ‏{‏وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ‏}‏ يعني‏:‏ علموا، واستيقنوا ما لهم من ملجأ، ولا مفر من النار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَ لاَّ يَسْئَمُ‏}‏ يعني‏:‏ لا يمل الكافر‏.‏ قال الضحاك‏:‏ نزلت في شأن النضر بن الحارث‏.‏ ‏{‏مِن دُعَاء الخير‏}‏ يعني‏:‏ من سؤال الخير‏.‏ يعني‏:‏ العافية في الجسد، والسعة في الرزق‏.‏

‏{‏وَإِن مَّسَّهُ الشر‏}‏ يعني‏:‏ أصابته الشدة، والبلاء، والفقر، ‏{‏فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ‏}‏ يعني‏:‏ آيساً من الخير، قانطاً من رحمة الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ لا يمل من دعاء الخير، وإذا نزلت به شدة‏.‏ يقول‏:‏ اللهم عافني، وإذا مسه الشر ‏{‏فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ‏}‏ يعني‏:‏ آيساً من معبوده‏.‏

‏{‏وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا‏}‏ يعني‏:‏ أصبناه عافية منا، وَغِنًى، ‏{‏مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد شدة أصابته، ‏{‏لَيَقُولَنَّ هذا لِى‏}‏ يعني‏:‏ أنا أهل لهذا، ومستحق له‏.‏ ويقال‏:‏ أنا أحق بهذا‏.‏ ويقال‏:‏ هذا بعملي، وأنا محقوق به‏.‏

‏{‏وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً‏}‏ يعني‏:‏ ما أحسب القيامة كائنة، ‏{‏وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة، ‏{‏إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى‏}‏ يعني‏:‏ الجنة ولئن كان يوم القيامة، كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلي الجنة‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ لنخبرنهم، ‏{‏بِمَا عَمِلُواْ‏}‏ من أعمالهم الخبيثة، ‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لنجزينهم، ‏{‏مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ يعني‏:‏ عذاب شديد لا يفتر عنهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 54‏]‏

‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ‏(‏51‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏52‏)‏ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏53‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ‏(‏54‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏ يعني‏:‏ أعرض الكافر، فلا يدعو ربه‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أعرض عن الإيمان‏.‏ ‏{‏وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏ يعني‏:‏ تباعد بجانبه عن الدعاء، وعن الإيمان‏.‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر‏}‏ يعني‏:‏ أصابته الشدة ‏{‏فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ‏}‏ قال مقاتل والكلبي‏:‏ يعني‏:‏ كثيراً‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ طويلاً‏.‏ فإن قيل‏:‏ قد قال في موضع‏.‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ‏}‏ وقال في موضع آخر‏:‏ ‏{‏فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ‏}‏ مرة ذكر أنه يَؤُوس، ومرة أُخرى ذكر أنه يدعو، فكيف هذا‏؟‏ قيل له‏:‏ هذا في شأن رجل، وهذا في شأن رجل آخر، ويجوز أن يكون في شأن إنسان واحد‏.‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ‏}‏ عن كل معبود دون الله، فيدعو الله دائماً‏.‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله‏}‏ يعني‏:‏ إن كان هذا الكتاب من عند الله، ‏{‏ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ جحدتم أنه ليس من عند الله، ماذا تقولون‏؟‏ وماذا تجيبون‏؟‏ وماذا تحتالون‏.‏ إذا نزل بكم العذاب يوم القيامة‏؟‏

‏{‏مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ في خلاف طويل، بعيد عن الحق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق‏}‏ يعني‏:‏ عذابنا في البلاد، مثل هلاك عاد، وثمود، وقوم لوط، وهم يرون إذا سافروا، آثارهم، وديارهم‏.‏ ‏{‏وَفِى أَنفُسِهِمْ‏}‏ يبتلون بأنفسهم من البلايا‏.‏ ويقال‏:‏ من قتل أصحابهم الكفار في الحرب، ‏{‏حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق‏}‏ يعني‏:‏ إن الذي قلت هو الحق، فيصدقونك‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق‏}‏ يعني‏:‏ ما يفتح الله عليهم من القرى، ‏{‏وَفِى أَنفُسِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ فتح مكة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ معناه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ائتنا بعلامة، فانشق القمر نصفين‏.‏ فقال‏:‏ أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كان القمر قد انشق، فهي آية‏.‏ ثم قال‏:‏ يا معشر قريش، إن محمداً قد سحر القمر، فوجهوا رسلكم إلى الآفاق‏.‏ هل عاينوا القمر‏؟‏ إنْ كان كذلك، فهي آية وإلا فذلك سحر، فوجهوا‏.‏ فإذا أهل الآفاق، يتحدثون بانشقاقه‏.‏ فقال أبو جهل عليه اللعنة‏:‏ هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِر‏.‏ يعني‏:‏ ذاهباً في الدنيا‏.‏ فنزل ‏{‏سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق وَفِى أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق‏}‏ وقال بعض المتأخرين‏.‏ ‏{‏سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق‏}‏ ما وضع في العالم من الدلائل، وفي أنفسهم ما وضع فيها من الدلائل، التي تدل على وحدانية الله تعالى، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق ينطق بالوحي فيما يقول‏.‏ وهذا كما قال‏:‏ ‏{‏وَفِى الارض ءايات لِلْمُؤْمِنِين وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَم يَكْفِ بِرَبّكَ‏}‏ شاهداً أن القرآن من الله تعالى، ‏{‏أَنَّهُ على كُلّ شَئ شَهِيدٌ‏}‏ أي‏:‏ عالم بأعمالهم، بالبعث وغيره‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ أنه قد أخبرهم بذلك، وإن لم يسافروا‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ‏}‏ ومعنى الكفاية هاهنا، أنه قد بيّن لهم ما فيه كفاية، بالدلالة على توحيده، وتثبيت رسله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ‏}‏ ألا‏:‏ كلمة تنبيه‏.‏ يعني‏:‏ اعلم أنهم في شك من البعث، ‏{‏أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَئ مُّحِيطُ‏}‏ يعني‏:‏ ألا إن الله تعالى عالم بأعمالهم، وعقوبتهم، والإحاطة إدراك الشيء بكماله‏.‏ يعني‏:‏ أحاط علمه سبحانه وتعالى بكل شيء من البعث، وغيره، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده وآله وسلم‏.‏

سورة الشورى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ عسق ‏(‏2‏)‏ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏3‏)‏ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏حم عسق‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الحاء حكم الله، والميم ملك الله، والعين علو الله، والسين سناء الله، والقاف قدرة الله‏.‏ فكأنه يقول‏:‏ فبحكمي، وملكي، وعلوي، وسنائي، وقدرتي، لا أعذب عبداً قال‏:‏ لا إله إلا الله، مخلصاً، فلقيني بها‏.‏ ومعنى قول ابن عباس‏:‏ لا يعذب عبداً يعني‏:‏ لا يعذبه عذاباً دائماً، خالداً‏.‏ وروى المسيب عن رجل، عن أبي عبيدة، قال‏:‏ العين عذاب الله، والسين سنون، والقاف فيها القحط العجب‏.‏ قال‏:‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «افْتَحُوا صِبْيَانُكُمْ قَوْلَ لا إله إلاَّ الله، وَلَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلاَّ الله» الحِكْمَةُ فِي ذلك، لأن حال الصبيان حال حسن، لا غل، ولا غش في قلوبهم، وحال الموتى حال الاضطرار‏.‏ فإذا قلتم ذلك في أول ما يجري عليكم القلم، وآخر يجف القلم فعسى الله أن يتجاوز ما بين ذلك‏.‏ قال المسيب‏:‏ وحدثنا محدث قال‏:‏ قاف قذف؛ وقال الضحاك‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏حم عسق‏}‏ قال‏:‏ قضى عذاب سيكون واقعاً، وأرجو أن يكون قد مضى يوم بدر، والسنون‏.‏ وقال شهر بن حوشب‏:‏ ‏{‏حم عسق‏}‏ حرب يذل فيه العزيز، ويعز فيه الذليل من قريش، ثم يفضي إلى العرب، ثم إلى العجم، ثم هي متصلة إلى خروج الدجال‏.‏ وقال عطاء‏:‏ الحاء حرب، وهو موت ذريع في الناس، وفي الحيوان، حتى يبيدهم، ويفنيهم، والميم تحويل ملك من قوم إلى قوم، والعين عدو لقريش يركبهم، ثم ترجع الدولة إليهم بحرمة البيت، والسين هو استئصال بالسنين كسني يوسف، والقاف قدر من الله نافذ في ملكوت الأرض، لا يخرجون من قدره، وهو نافذ فيهم‏.‏ وقال السدي‏:‏ الحاء حلمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤه، والقاف قدرته‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو اسم من أسماء الله تعالى‏.‏ ويقال اسم من أسماء القرآن‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ أوحى الله إليك ب ‏{‏حم عسق‏}‏ كما أوحى الله بها إلى الذين كانوا من قبلك‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ليس من نبي وإلا وقد أوحى الله تعالى إليه ب ‏{‏حم عسق‏}‏ كما أوحى الله بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قرأ ابن كثير‏:‏ ‏{‏يوحى إِلَيْكَ‏}‏ بالألف، على معنى فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏يُوحِى‏}‏ بالكسر‏.‏ يعني‏:‏ هكذا يوحي الله إليك‏.‏ وقرئ في الشاذ ‏(‏نوحي‏)‏ بالنون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الله العزيز‏}‏ بالنقمة على من لم يجب الرسل، ‏{‏الحكيم‏}‏ حكم بإنزال الوحي عليك‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ في أمر العذاب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض‏}‏ يعني‏:‏ من خلق، ‏{‏وَهُوَ العلى‏}‏ يعني‏:‏ لرفعي ‏{‏العظيم‏}‏ فلا شيء أعظم منه‏.‏ يعني‏:‏ عظيم قدرته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 10‏]‏

‏{‏تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏5‏)‏ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏6‏)‏ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ‏(‏7‏)‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏8‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ‏}‏ يعني‏:‏ يتشققن، ‏{‏مِن فَوْقِهِنَّ‏}‏ يعني‏:‏ تكاد أن يتشققن من قدرة الله، وهيبته‏.‏ يعني‏:‏ من هيبة الرحمن، وجلاله، وعظمته‏.‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص‏:‏ ‏{‏تَكَادُ السموات‏}‏ بالتاء، بلفظ التأنيث، ‏{‏يَتَفَطَّرْنَ‏}‏ بالتاء بلفظ التأنيث‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏تَكَادُ‏}‏ بالتاء بلفظ التأنيث، ‏{‏يَتْفَطِرْنَ‏}‏ بالنون‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالياء بلفظ التذكير ‏{‏السماوات يَتَفَطَّرْنَ‏}‏ بالياء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يسبحونه، ويذكرونه، ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ للمؤمنين‏.‏ وروى داود بن قيس قال‏:‏ دخلت على وهب بن منبه، فَسُئِلَ عن قوله‏:‏ ‏{‏الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَئ رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏ قال‏:‏ للمؤمنين منهم‏.‏ وفي رواية أنه قال‏:‏ نسختها الآية التي في سورة المؤمن حيث قال‏:‏ ‏{‏الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَئ رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وروى معمر عن قتادة قال‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الارض‏}‏ قال‏:‏ للمؤمنين منهم‏.‏ قال أبو الليث رحمه الله‏:‏ هذا الذي روي عن قتادة أصح، لأن النسخ في الأخبار لا يجوز، وإنما في الأمر، والنهي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور‏}‏ لذنوبهم، ‏{‏الرحيم‏}‏ بهم في الرزق‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ يسألون لهم الرزق‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء‏}‏ يعني‏:‏ عبدوا من دون الله ‏{‏أَوْلِيَاء‏}‏ يعني‏:‏ أصناماً‏.‏ ‏{‏الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يحفظ أعمالهم، ويقال‏:‏ شهيد عليهم، ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ بمسلط، لتجبرهم على الإيمان‏.‏ وهذا قبل أن يؤمر بالقتال‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً عَرَبِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ هكذا أنزلنا عليك جبريل بالقرآن، ليقرأ عليك القرآن بلغتهم، ليفهموه‏.‏ ‏{‏لّتُنذِرَ أُمَّ القرى‏}‏ يعني‏:‏ لتخوف بالقرآن أهل مكة، ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ من البلدان، ‏{‏وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع‏}‏ يعني‏:‏ لتنذرهم بيوم القيامة‏.‏ والباء محذوفة منه كما قال‏:‏ ‏{‏لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا‏}‏ يعني‏:‏ ببأس شديد‏.‏ وإنما سمي يوم الجمع، لأنه يجتمع فيه أهل السماء، وأهل الأرض كلهم، من الأولين والآخرين‏.‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة لا شك فيه أنه كائن‏.‏ ‏{‏فَرِيقٌ فِى الجنة‏}‏ وهم المؤمنون، ‏{‏وَفَرِيقٌ فِى السعير‏}‏ وهم الكافرون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحدة‏}‏ يعني‏:‏ على ملة واحدة، وهو الإسلام‏.‏ ‏{‏ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ‏}‏ يعني‏:‏ يكرم بدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، ويدخله في الآخرة في رحمته‏.‏

أي‏:‏ في جنته ‏{‏والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ يعني‏:‏ الكافرين ليس لهم مانع يمنعهم من العذاب، ولا ناصر ينصرهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء‏}‏ يعني‏:‏ عبدوا من دون الله أرباباً، ‏{‏فالله هُوَ الولى‏}‏ يعني‏:‏ هو أولى أن يعبدوه‏.‏ ويقال‏:‏ الله هو الولي‏.‏ يعني‏:‏ هو الرب، وهو إله السموات، وإله الأرض‏.‏ ويقال‏:‏ هو الولي لمصالحهم، ينزل المطر بعد المطر، ‏{‏وَهُوَ يُحْىِ الموتى‏}‏ يعني‏:‏ يحيهم بعد الموت‏.‏ ويقال‏:‏ يحيي قلوبهم بالمعرفة، ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ قادر على ما يشاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَئ‏}‏ يعني‏:‏ إذا اختلفتم في أمر الدين، ‏{‏فَحُكْمُهُ إِلَى الله‏}‏ يعني‏:‏ علمه عند الله، ‏{‏ذَلِكُمُ الله رَبّى‏}‏ يعني‏:‏ الذي ذكر هو الله ربي، ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ يعني‏:‏ فوضت أمري إليه سبحانه، ‏{‏وَإِلَيْهِ أُنِيبُ‏}‏ يعني‏:‏ أقبل إلى الله تعالى بالطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏11‏)‏ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏12‏)‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ‏(‏13‏)‏ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏14‏)‏ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏فَاطِرَ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ هو خالق السموات والأرض، ‏{‏جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا‏}‏ يعني‏:‏ أصنافاً ذكراً، وأنثى، ‏{‏وَمِنَ الانعام أزواجا‏}‏ يعني‏:‏ أصنافاً، ذكراً، وأنثى‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا‏}‏ يعني‏:‏ من جنسكم إناثاً، ‏{‏وَمِنَ الانعام أزواجا‏}‏ يعني‏:‏ إناثاً، ‏{‏يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ يخلقكم فيه‏.‏ أي‏:‏ من الرحم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ يكثرهم في التزويج‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعيشكم فيما جعل لكم من الذكور والإناث من الأنعام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ‏}‏ في القدرة‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ هذا الكاف مؤكدة‏.‏ أي‏:‏ ليس مثله شيء‏.‏ ويقال‏:‏ المثل صلة في الكلام‏.‏ يعني‏:‏ ليس هو كشيء، ‏{‏وَهُوَ السميع البصير‏}‏ يعني‏:‏ هو السميع لمقالتهم، البصير بهم وبأعمالهم‏.‏ ومعنى الآية ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ‏}‏ لأنه الخالق، العالم بكل شيء، والقادر على ما يشاء، ‏{‏الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والارض وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلى العظيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ وهذه المعاني بعيدة من غيره‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّهُ مَقَالِيد السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ خزائن السموات والأرض وهو المطر، وخزائن الأرض وهو النبات، ‏{‏يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء‏}‏ يعني‏:‏ يوسع الرزق على من كان صلاحه في ذلك، ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ يعني‏:‏ يقتر على من كان صلاحه في ذلك، ‏{‏إِنَّهُ بِكُلّ شَئ عَلِيمٌ‏}‏ من البسط، والتقتير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين‏}‏ قال مقاتل‏:‏ أي بيّن لكم الدين، وهو الإسلام‏.‏ و‏{‏مِنْ‏}‏ هاهنا صلةِ وقال الكلبي‏:‏ اختار لكم من الدين‏.‏ ومعناه‏:‏ اختار لكم ديناً من الأديان، وأكرمكم به‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا وصى بِهِ نُوحاً‏}‏ يعني‏:‏ الدين الذي أمر به نوحاً أن يدعو الخلق إليه، وأن يستقيم عليه، ‏{‏والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ يعني‏:‏ الذي أوحينا إليك بأن تدعو الناس إليه‏:‏ ‏{‏وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ والدين الذي أمرنا به ‏{‏إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى‏}‏ ثم بيّن ما أمرهم به، فقال‏:‏ ‏{‏أَنْ أَقِيمُواْ الدين‏}‏ يعني‏:‏ أقيموا التوحيد، ‏{‏وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ لا تختلفوا في التوحيد، ‏{‏كَبُرَ عَلَى المشركين‏}‏ يعني‏:‏ على مشركي مكة ‏{‏مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ‏}‏ وهو التوحيد‏.‏ وقال أبو العالية‏:‏ ‏{‏أَنْ أَقِيمُواْ الدين‏}‏ قال‏:‏ الإخلاص لله في عبادته، لا شريك له، ولا تتفرقوا فيه‏.‏ قال‏:‏ لا تتعالوا فيه، وكونوا عباد الله إخواناً ‏{‏كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ الإخلاص لله تعالى‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏أَنْ أَقِيمُواْ الدين‏}‏ يعني‏:‏ ارفقوا في الدين‏.‏ اتفقوا ولا تتفرقوا فيه‏.‏ يعني‏:‏ لا تختلفوا فيه، كما اختلف أهل الكتاب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء‏}‏ أي‏:‏ يختار لدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، ‏{‏وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ‏}‏ يعني‏:‏ يرشد إلى دينه، من يقبل إليه‏.‏ ويقال‏:‏ يهدي من كان في علمه السابق أنه يتوب ويرجع‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏مَن يُنِيبُ‏}‏ يعني‏:‏ من يجتهد بقلبه‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقُواْ‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكة ما تفرقوا في الدين، ‏{‏إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم‏}‏ في كتابهم‏.‏ يعني‏:‏ جاءهم محمد بالبينات‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم في كتابهم‏.‏ يعني‏:‏ من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏بَغْياً بَيْنَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ حسداً فيما بينهم، لأنه كان من العرب‏.‏ وروى معمر عن قتادة أنه تلى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم‏}‏ قال‏:‏ إياكم والفرقة فإنها مهلكة‏.‏ وروي في الخبر‏:‏ «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَة وآفَةُ الدِّينِ الهَوَى»‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ بتأخير العذاب إلى وقت معلوم‏.‏ ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لفرغ منهم بالهلاك‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ أعطوا التوراة، والإنجيل، ‏{‏مّن بَعْدِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد نوح، وإبراهيم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ من بعد الأنبياء ‏{‏لَفِى شَكّ مّنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ من القرآن ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ أي‏:‏ ظاهر الشك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلِذَلِكَ فادع‏}‏ يعني‏:‏ فإلى ذلك ادعهم يعني‏:‏ إلى القرآن، ويقال‏:‏ إلى التوحيد ‏{‏واستقم كَمَا أُمِرْتَ‏}‏ يعني‏:‏ استقم عليه كما أمر ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا تعمل بهواهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه ‏{‏وَقُلْ ءامَنتُ‏}‏ يعني‏:‏ صدقت ‏{‏بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب‏}‏ يعني‏:‏ بجميع ما أنزل الله من الكتب عليَّ وعلى من كان قبلي ‏{‏وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ‏}‏ وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى قول‏:‏ لا إله إلا الله ‏{‏الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ خالقنا وخالقكم ‏{‏لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم‏}‏ يعني‏:‏ لنا ديننا، ولكم دينكم ‏{‏لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ‏}‏ يعني‏:‏ لا خصومة بيننا وبينكم، يوم القيامة ‏{‏وَإِلَيْهِ المصير‏}‏ يعني‏:‏ إليه المرجع في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 20‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ‏(‏16‏)‏ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ‏(‏17‏)‏ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏18‏)‏ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ‏(‏19‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يُحَاجُّونَ فِى الله‏}‏ يعني‏:‏ يخاصمون في توحيد الله ودين الله ‏{‏مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد ما أجابوا إياه، أي‏:‏ بعد ما أجاب المؤمنون بتوحيد الله لنبيه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ طمع رجال بأن يعودوا إلى الجاهلية فنزل ‏{‏والذين يُحَاجُّونَ فِى الله‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ‏}‏ وروى معمر عن قتادة قال‏:‏ والذين يحاجون في الله، يعني‏:‏ في دينه قال‏:‏ هم اليهود، والنصارى‏.‏ قالوا‏:‏ كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم‏.‏ فنزل ‏{‏والذين يُحَاجُّونَ فِى الله‏}‏ أي‏:‏ في دين الله ‏{‏مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ‏}‏ يعني‏:‏ من بعد ما دخل الناس في الإسلام ‏{‏حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ خصومتهم باطلة‏.‏ ويقال‏:‏ احتجاجهم زائل، ساقط‏.‏ يقال دحض أي‏:‏ زال، ومعناه‏:‏ ليس لهم حجة‏.‏ وسمى قولهم حجة على وجه المجاز، يعني‏:‏ حجتهم كما قال‏:‏ ‏{‏فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة ‏{‏عِندَ رَبّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏}‏ يعني‏:‏ كما يكابرون عقولهم ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ‏}‏ بما كانوا يفعلون‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الله الذى أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان‏}‏ أي‏:‏ لبيان الحق، وأنزل الميزان وهو العدل ويقال‏:‏ وأنزل الميزان في زمان نوح‏.‏ ويقال‏:‏ هي الحدود والأحكام والأمر والنهي‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ‏}‏ يعني‏:‏ قيام الساعة قريب‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ‏}‏ ولم يقل قريبة، لأن تأنيثها ليس بحقيقي، ولأنه انصرف إلى المعنى، يعني‏:‏ للبعث‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ المشركين كانوا يقولون‏:‏ ‏{‏متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ ويقولون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا‏}‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ خائفين من قيام الساعة، لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون، محاسبون ‏{‏وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق‏}‏ يعني‏:‏ يعلمون أن الساعة كائنة‏.‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَى الساعة‏}‏ يعني‏:‏ يشكون ويخاصمون فيها‏.‏ ‏{‏لَفِى ضلال بَعِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ في خطأ طويل، بعيد عن الحق‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ‏}‏ يعني‏:‏ عالم بعباده‏.‏ ويقال‏:‏ رحيم بعباده، ويقال اللطيف الذي يرزقهم في الدنيا، ولا يعاقبهم في الآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ اللطيف بعباده، بالبر، والفاجر لا يهلكهم جوعاً ‏{‏يَرْزُقُ مَن يَشَاء‏}‏ بغير حساب‏.‏ ويقال يزرق من يشاء، مقدار ما يشاء، في الوقت الذي يشاء ‏{‏وَهُوَ القوى‏}‏ على هلاكهم‏.‏ ‏{‏العزيز‏}‏ يعني‏:‏ المنيع لا يغلبه أحد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاخرة‏}‏ يعني‏:‏ ثواب الآخرة بعمله‏.‏ ‏{‏نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ‏}‏ يعني‏:‏ ينال كليهما ‏{‏وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ ثواب الدنيا بعمله‏.‏

‏{‏نُؤْتِهِ مِنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ نعطه منها‏.‏ ‏{‏وَمَا لَهُ فِى الاخرة مِن نَّصِيبٍ‏}‏ لأنه عمل لغير الله تعالى‏.‏ قال أبو الليث رحمه الله‏:‏ حدّثنا الفقيه أبو جعفر، قال‏:‏ حدّثنا محمد بن عقيل قال‏:‏ حدّثنا محمد بن إسماعيل الصايغ قال‏:‏ حدّثنا الحجاج قال‏:‏ حدّثنا شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الآخِرَةَ جَمَعَ الله شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أمْرَهُ، وَجَعلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ»‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الحرث في اللغة العمل‏.‏ يعني‏:‏ من كان يريد بحرثه، أي‏:‏ بعمله ‏{‏الاخرة‏}‏ نضاعف له الحسنات‏.‏ ومن أراد بعمله الدنيا أعطيناه ولا نصيب له في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏21‏)‏ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ‏(‏22‏)‏ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ‏(‏23‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء‏}‏ يعني‏:‏ ألهم آلهة دوني‏.‏ ‏{‏شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين‏}‏ أي‏:‏ بينوا لهم من الدين ‏{‏مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله‏}‏ يعني‏:‏ ما لم يأمر به‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ألهم آلهة ابتدعوا لهم من الدين‏.‏ أي‏:‏ من الشريعة والطريقة‏.‏ ويقال‏:‏ سنوا لهم ما لم يأذن به الله، يعني‏:‏ ما لم ينزل به الله من الكتاب والدين ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل‏}‏ يعني‏:‏ القضاء الذي سبق، ألا يعذب هذه الأمة، ويؤخر عذابهم إلى الآخرة‏.‏ ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أنزل بهم العذاب في الدنيا ‏{‏وَإِنَّ الظالمين‏}‏ يعني‏:‏ المشركين‏.‏ ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ في الآخرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرَى الظالمين‏}‏ يعني‏:‏ ترى الكافرين يوم القيامة‏.‏ ‏{‏مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ‏}‏ يعني‏:‏ خائفين مما عملوا في الدنيا ‏{‏وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ نازل بهم ما كانوا يحذرون‏.‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ الذين صدقوا بالتوحيد، وأدّوا الفرائض، والسنن ‏{‏فِى روضات الجنات‏}‏ يعني‏:‏ في بساتين الجنة‏.‏ ‏{‏لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ من الكرامة‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير‏}‏ يعني‏:‏ المن العظيم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ الذى يُبَشّرُ الله‏}‏ يعني‏:‏ ذلك الثواب الذي يبشر الله ‏{‏عِبَادِهِ‏}‏ في الدنيا قرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو ‏{‏يُبَشّرُ‏}‏ بنصب الياء، وجزم الباء، وضم الشين مع التخفيف‏.‏ والباقون بالتشديد وقد ذكرناه ‏{‏الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ يبشرهم بتلك الجنة، وبذلك الثواب ثم قال‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد لأهل مكة، لا أسألكم عليه أجراً، أي على ما جئتكم به أجراً ‏{‏إِلاَّ المودة فِى القربى‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ إلا أن تصلوا قرابتي، وتكفوا عني الأذى‏.‏

ثم نسخ بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْر لَكُمْ‏}‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ المودة فِى القربى‏}‏ يعني‏:‏ إلاَّ، ألاَّ تؤذونني بقرابتي منكم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ليس حي من أحياء العرب إلا وللنبي عليه السلام فيه قرابة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إلا المودة في القربى، يعني‏:‏ إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى، بما يقربكم منه، وهكذا قال مجاهد، وقال سعيد بن جبير‏:‏ إلا المودة في القربى، يعني‏:‏ إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً‏}‏ يعني‏:‏ يكتسب حسنة، ‏{‏نَزِدْ فِيهَا حُسْناً‏}‏ يعني‏:‏ للواحد عشرة‏.‏ ويقال‏:‏ نزد له التوفيق في الدنيا، ونضاعف له الثواب في الآخرة‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ‏}‏ يعني‏:‏ غفور لمن تاب، شكور يقبل اليسير، ويعطي الجزيل‏.‏